عبد الرحمن السهيلي
55
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وإنما قيل في النائم : ضرب على أذنه ؛ لأن النائم ينتبه من جهة السمع ، والضرب هنا مستعار من ضربت القفل على الباب ، وذكر قوله تعالى : « تَزَاوَرَ عن كهْفِهم ذات اليمين » الآية . وقيل في تقرضهم : تحاذيهم ، وقيل : تتجاوزهم شيئاً فشيئاً من القرض ، وهو القطع ، أي : تقطع ما هنالك من الأرض ، وهذا كله شرح اللفظ ، وأما فائدة المعنى ، فإنه بين أنهم في مقنوة من الأرض ، لا تدخل عليهم الشمس ، فتحرقهم ، وتبلي ثيابهم ، ويقلبون ذات اليمين وذات الشمال . لئلا تأكلهم الأرض ، والفائدة العظمى في هذا الصفة بيان كيفية حالهم في الكهف ، وحال كلبهم ، وأين هو من الكهف ، وأنه بالوصيد منه ، وأن باب الكهف إلى جهة الشمال للحكمة التي تقدمت ، وأن هذا البيان لا يكاد يعرفه من رآهم ، فإن المطلع عليهم يملأ منهم رعباً ، فلا يمكنه تأمل هذه الدقائق من أحوالهم ، والنبي عليه السلام لم يرهم قط ، ولا سمع بهم ، ولا قرأ كتاباً فيه صفتهم ؛ لأنه أمي في أمة أمية ، وقد جاءكم ببيان لا يأتي به من وصل إليهم حتى إن كلبهم قد ذكر ، وذكر موضعه وبسطه ذراعيه بالوصيد ، وهم في الفجوة ، وفي هذا كله برهان عظيم على نبوته ، ودليل واضح على صدقه ، وأنه غير متقول ، كما زعموا ، فقف بقلبك على مضمون هذه الأوصاف ، والمراد بها تعصم إن شاء الله مما وقعت فيه الملحدة من الاستخفاف بهذه الآية من كتاب الله ، وقولهم : أي فائدة في أن تكون الشمس تزاور عن كهفهم ، وهكذا هو كل بيت يكون في مقنوة ، أي : بابه لجهة الشمال ، فنبه أهل المعاني على الفائدة الأولى المنبئة عن لطف الله بهم ، حيث جعلهم في مقنوة تزاور عنهم الشمس فلا تؤذيهم ، فقال : لمن اقتصر من أهل التأويل على هذا : فما في ذكر الكلب وبسط ذراعيه من الفائدة ، وما فيه من معنى اللطف بهم ؟ فالجواب : ما قدمناه من أن الله سبحانه لم يترك من بيان حالهم شيئاً ، حتى ذكر حال كلبهم مع أن تأملهم متعذر على من اطلع عليهم من أجل الرعب ، فكيف من لم يرهم ، ولا سمع بهم ، لولا الوحي الذي جاءه من الله سبحانه بالبيان الواضح الشافي ، والبرهان الكافي ، والرعب الذي كان يلحق المطلع عليهم ، قيل : كان مما طالت شعورهم وأظفارهم . ومن الآيات في هذه القصة قوله سبحانه : « في فَجْوَةٍ منه » أي : في فضاء ، ومع أنهم في فضاء منه ، فلا تصيبهم الشمس . قال ابن سلام : فهذه آية . قال : وكانوا يقلبون في السنة مرتين ، ومن فوائد الآية : أنه أخرج الكلب عن التقليب ، فقال : باسط ذراعيه ، ومع أنه كان لا يقلب لم تأكله الأرض ؛ لأن التقليب كان من فعل الملائكة بهم ، والملائكة أولياء المؤمنين في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، والكلب خارج من هذه الآية . ألا تراه كيف قال : بالوصيد ، أي : بفناء الغار لا داخلاً معهم ؛ لأن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب فهذه فوائد جمة قد اشتمل عليها هذا الكلام . قال ابن سلام : وإنما كانوا يقلبون في الرقدة الأولى قبل أن يبعثوا . أهل الكهف : فصل : وذكر قول الله سبحانه : « قال الذين غَلَبُوا على أمرهم لَنَتَّخِذَنَّ عليهم مَسْجِداً » الكهف